ابن قيم الجوزية

426

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

فالصبر : حبس النفس عن الجزع والتسخط . وحبس اللسان عن الشكوى . وحبس الجوارح عن التشويش « 1 » . وهو ثلاثة أنواع : صبر على طاعة اللّه . وصبر عن معصية اللّه . وصبر على امتحان اللّه . فالأولان : صبر على ما يتعلق بالكسب . والثالث : صبر على ما لا كسب للعبد فيه . وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس اللّه روحه - يقول : كان صبر يوسف عن مطاوعة امرأة العزيز على شأنها : أكمل من صبره على إلقاء إخوته له في الجب ، وبيعه وتفريقهم بينه وبين أبيه . فإن هذه أمور جرت عليه بغير اختياره لا كسب له فيها ، ليس للعبد فيها حيلة غير الصبر . وأما صبره عن المعصية : فصبر اختيار ورضى ، ومحاربة للنفس . ولا سيما مع الأسباب التي تقوى معها دواعي الموافقة . فإنه كان شابا ، وداعية الشباب إليها قوية . وعزبا ليس له ما يعوضه ويرد شهوته . وغريبا . والغريب لا يستحي في بلد غربته مما يستحي منه من بين أصحابه ومعارفه وأهله . ومملوكا ، والمملوك أيضا ليس وازعه كوازع الحر ، والمرأة جميلة ، وذات منصب ، وهي سيدته وقد غاب الرقيب ، وهي الداعية له إلى نفسها . والحريصة على ذلك أشد الحرص ، ومع ذلك توعدته إن لم يفعل : بالسجن والصّغار . ومع هذه الدواعي كلها : صبر اختيارا ، وإيثارا لما عند اللّه . وأين هذا من صبره في الجب على ما ليس من كسبه ؟ وكان يقول : الصبر على أداء الطاعات : أكمل من الصبر على اجتناب المحرمات وأفضل فإن مصلحة فعل الطاعة : أحب إلى الشارع من مصلحة ترك المعصية . ومفسدة عدم الطاعة : أبغض إليه وأكره من مفسدة وجود المعصية . وله - رحمه اللّه - في ذلك مصنف قرره فيه بنحو من عشرين وجها . ليس هذا موضع ذكرها . والمقصود : الكلام على « الصبر » وحقيقته ودرجاته ومرتبته . واللّه الموفق . أنواع الصبر وهو على ثلاثة أنواع : صبر باللّه . وصبر للّه . وصبر مع اللّه . فالأول : صبر الاستعانة به ، ورؤيته أنه هو المصبّر ، وأن صبر العبد بربه لا بنفسه . كما قال تعالى : وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ [ النّحل : 127 ] يعني إن لم يصبّرك هو لم تصبر . والثاني : الصبر للّه . وهو أن يكون الباعث له على الصبر محبة اللّه ، وإرادة وجهه ، والتقرب إليه . لا لإظهار قوة النفس ، والاستحماد إلى الخلق ، وغير ذلك من الأعراض . والثالث : الصبر مع اللّه . وهو دوران العبد مع مراد اللّه الديني منه . ومع أحكامه الدينية . صابرا نفسه معها ، سائرا بسيرها . مقيما بإقامتها . يتوجه معها أين توجهت ركائبها . وينزل معها أين استقلّت مضاربها .

--> ( 1 ) وإنما يصدق ذلك . ويكون الصبر على حقيقته : إذا حبس العبد نفسه ووقفها مع سنن اللّه وآياته في نفسه وفي الآفاق ومع نعم اللّه عليه . ومع أسماء اللّه وصفاته وآثارها . وما تقتضيه من هدي الفطرة ونورها ، ومع رسله وكتبه ورسالاته . فعندئذ يذوق حلاوة الصبر . ولذلك قرنه اللّه مع الصدق والشكر في كثير من المواضع .